سيد محمد طنطاوي

171

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - الأسباب التي أدت بهؤلاء الأشقياء إلى هذا المصير الأليم ، فقال - تعالى - * ( إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ) * أي : إنهم كانوا قبل ذلك العذاب الذي حل بهم ، أي : كانوا في الدنيا * ( مُتْرَفِينَ ) * أي : متنعمين بطرين ، متبعين لهوى أنفسهم ، وسالكين خطوات الشيطان . دون أن يصدهم عن ذلك صاد ، أو يردعهم رادع . فالمراد بالترف هنا : بطر النعمة ، وعدم شكر اللَّه - تعالى - عليها ، والمترف : هو الذي يتقلب في نعم اللَّه - تعالى - ، ولكنه يستعملها في المعاصي لا في الطاعات ، وفي الشرور لا في الخيرات . وقوله - سبحانه - : * ( وكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) * بيان لسبب آخر من الأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ . والحنث : الذنب الكبير ، والمعصية الشديدة ، ويندرج تحته الإشراك باللَّه - تعالى - ، وإنكار البعث والجزاء ، والحلف الكاذب مع تعمد ذلك . أي : وكانوا في الدنيا يصرون على ارتكاب الذنوب العظيمة ، ويتعمدون إتيانها بدون تحرج أو تردد ، ومن مظاهر ذلك أنهم أقسموا بالأيمان المغلظة أنه لا بعث ولا حساب ، ولا جزاء ، كما قال - تعالى - : وأَقْسَمُوا بِاللَّه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّه مَنْ يَمُوتُ . . . « 1 » . ثم حكى - سبحانه - لونا من أقوالهم الباطلة ، وحججهم الداحضة فقال : * ( وكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وكُنَّا تُراباً وعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوآباؤُنَا الأَوَّلُونَ ) * . أي : أنهم فوق ترفهم وإصرارهم على ارتكاب الآثام كانوا يقولون - على سبيل الإنكار - لمن نصحهم باتباع الحق : أإذا متنا ، وانتهت حياتنا ووضعنا في القبور ، وصرنا ترابا وعظاما ، أإنا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى ؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون - أيضا - ؟ . ولا شك أن قولهم هذا دليل على انطماس بصائرهم ، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة اللَّه - تعالى - التي لا يعجزها شيء ، والتي من آثارها إيجادهم من العدم . ولذا لقن اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم الجواب الذي يخرس ألسنتهم فقال - سبحانه - : * ( قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ ، لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) * . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن الأمم السابقة التي من جملتها آباؤكم . والأمم

--> ( 1 ) سورة النحل آية 38 .